هل الأسبرتام يسبب السرطان؟

هل الأسبرتام يسبب السرطان؟

هل الأسبرتام يسبب السرطان؟

منذ دخوله عالم المحليات الصناعية في ثمانينيات القرن الماضي، ظل الأسبرتام واحدًا من أكثر بدائل السكر استخدامًا حول العالم وفي الوقت نفسه من أكثرها إثارةً للجدل. ومع صدور تقييم دولي جديد له في عام 2023، عاد الأسبرتام إلى صدارة العناوين وبدأت موجة واسعة من القلق والتساؤلات وسط سيل من المعلومات المتضاربة.

لكن جوهر الالتباس يكمن في الخلط بين معنيين مختلفين تمامًا في لغة العلم وهما «احتمال يستدعي مزيدًا من البحث» و«دليل مؤكد على الضرر»، وبينهما مسافة كبيرة قد تغير طريقة فهمنا للخبر بالكامل.

في هذا الدليل نستعرض ما قالته الجهات الصحية الكبرى بشأن الأسبرتام ونوضح أسباب اختلاف قراءاتها وما الذي يعنيه ذلك عمليًا لك ولعائلتك عند اتخاذ قرارات يومية مرتبطة بالغذاء والصحة.

 

ما هو الأسبرتام وكيف يعمل في الجسم؟

الأسبرتام (Aspartame) محلٍّ صناعي منخفض السعرات الحرارية يتميز بحلاوة تفوق السكر العادي بنحو 180 إلى 200 مرة، لذلك لا يحتاج المنتج إلا إلى كميات ضئيلة جدًا منه للحصول على المذاق الحلو المطلوب. يتكون الأسبرتام في الأساس من حمضين أمينيين موجودين بصورة طبيعية في كثير من الأطعمة الغنية بالبروتين وهما حمض الأسبارتيك (Aspartic acid) والفينيل ألانين (Phenylalanine)، إلى جانب كمية بسيطة من الميثانول.

عند هضمه يتحلل الأسبرتام إلى هذه المكونات نفسها وهي مواد لا تقتصر عليه وحده بل توجد أيضًا في أطعمة ومشروبات شائعة مثل اللبن والفواكه والعصائر. وهنا تكمن نقطة مهمة كثيرًا ما تغيب عن النقاش، فالجسم لا يتعامل مع الأسبرتام باعتباره مادة غريبة تمامًا بل يكسره إلى مكونات مألوفة له ويتعامل معها بالطريقة نفسها.

يدخل الأسبرتام اليوم في آلاف المنتجات حول العالم من أبرزها المشروبات الغازية (الدايت) والعلكة الخالية من السكر وبعض منتجات الألبان والحلويات إضافة إلى بعض الأدوية وأقراص المص والفيتامينات القابلة للمضغ.

ماذا قالت منظمة الصحة العالمية عن الأسبرتام وعلاقته بالسرطان؟

في يوليو 2023 صدر تقييمان منفصلان بشأن الأسبرتام عن جهتين تابعتين للمنظمة. ومن المهم التفريق بينهما لأن الخلط بين طبيعة كل تقييم هو ما تسبب في جزء كبير من القلق والالتباس.

أولًا: الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC)

صنفت الوكالة الأسبرتام ضمن المجموعة 2B، أي «يُحتمل أنه يكون مادة مسرطنة»، وجاء هذا التصنيف بناءً على أدلة محدودة تشير إلى وجود علاقة بين الأسبرتام والسرطان لدى الإنسان وتحديدًا أحد أنواع سرطان الكبد وهو سرطان الخلايا الكبدية، كما وُصفت الأدلة بأنها محدودة أيضًا في دراسات حيوانات التجارب وكذلك في تفسير الآلية البيولوجية المحتملة لهذا التأثير.

ثانيًا: لجنة الخبراء المشتركة لإضافات الأغذية (JECFA)

أما لجنة الخبراء المشتركة لإضافات الأغذية، فبعد مراجعة الأدلة العلمية المتاحة لم تجد سببًا كافيًا لتغيير الحد اليومي المقبول لاستهلاك الأسبرتام وأبقته عند 40 ملجم لكل كيلوجرام من وزن الجسم يوميًا، مؤكدة أن استهلاكه ضمن هذا الحد لا يزال يُعد آمنًا.

والفكرة الأساسية هنا أن تصنيف الوكالة الدولية لأبحاث السرطان لا يقيس حجم الخطر في ظروف الاستهلاك اليومي المعتاد بل يقيم قوة الدليل على إمكانية تسبب المادة في السرطان من حيث المبدأ. ولهذا تُعد المجموعة 2B ثالث مستوى من حيث قوة الدليل ضمن أربع مجموعات وتضم مواد مألوفة قد لا تبدو مقلقة في الاستخدام العادي مثل مستخلص الصبار (الألوفيرا).

أما السؤال العملي الأهم: هل يشكل الأسبرتام خطرًا فعليًا بالكميات التي يتناولها الناس عادة؟ فهذا يدخل ضمن اختصاص لجنة JECFA التي خلصت إلى أنه لا توجد أدلة كافية تستدعي تغيير حدود الأمان المعتمدة حاليًا.

ماذا يعني الحد اليومي المسموح به لاستهلاك الأسبرتام عمليًا؟

الحد اليومي المسموح به (ADI) هو الكمية التي يمكن للشخص تناولها يوميًا طوال حياته دون توقع حدوث ضرر صحي مع احتساب هامش أمان كبير في التقدير.

وقد حددت لجنة الخبراء المشتركة لإضافات الأغذية (JECFA) هذا الحد للأسبرتام عند 40 ملجم لكل كيلوجرام من وزن الجسم يوميًا، بينما تعتمد إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) حدًا أعلى قليلًا يبلغ 50 ملجم لكل كيلوجرام من وزن الجسم يوميًا.

ولتبسيط الرقم في صورة أقرب للحياة اليومية، فإن شخصًا بالغًا يزن نحو 70 كيلوجرامًا سيحتاج إلى شرب أكثر من 9 إلى 14 علبة من المشروبات الغازية (الدايت) يوميًا حتى يتجاوز الحد المسموح به، وذلك بافتراض أنه لا يحصل على الأسبرتام من أي مصدر آخر.

وهذا يعني أن تجاوز الحد اليومي المسموح به يتطلب مستوى مرتفعًا جدًا من الاستهلاك وهو أمر غير معتاد لدى معظم الناس.

لماذا تختلف الجهات الصحية في موقفها من الأسبرتام؟

الاختلاف الظاهري بين الجهات الصحية لا يعني وجود تناقض، بل يعكس اختلاف السؤال الذي تحاول كل جهة الإجابة عنه.

فالوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC) تطرح سؤالًا محددًا: هل توجد أدلة على أن هذه المادة قد تكون قادرة على التسبب في السرطان؟ وكانت إجابتها أن الأدلة المتاحة محدودة وغير حاسمة.

أما لجنة الخبراء المشتركة لإضافات الأغذية (JECFA) وإدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) والهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية (EFSA) فتتعامل مع سؤال عملي مختلف: هل يشكّل استهلاك الأسبرتام بالكميات الواقعية المعتادة خطرًا فعليًا على الصحة؟ وكانت الإجابة: لا، طالما كان الاستهلاك ضمن الحدود اليومية المسموح بها.

وقد أجرت الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية تقييمًا شاملًا للمخاطر خلصت فيه إلى أن الأسبرتام لا يسبب ضررًا للجينات ولا يؤدي إلى الإصابة بالسرطان عند مستويات التعرض الحالية، كما لا توجد أدلة على تأثيره الضار في الدماغ أو الجهاز العصبي.

وتؤكد إدارة الغذاء والدواء الأمريكية أن الأسبرتام يُعد من أكثر الإضافات الغذائية خضوعًا للدراسة، إذ استندت في تقييمها إلى مراجعة أكثر من مئة دراسة علمية قبل تأكيد سلامته للاستخدام العام.

لذلك لا يعني اختلاف الصياغات أن إحدى الجهات «تخفي الحقيقة» أو تتجاهل الخطر، بل يعكس الفرق المنهجي بين تقييم قوة الدليل على احتمال الضرر وتقييم حجم الخطر الفعلي عند الاستهلاك اليومي المعتاد.

من الذي يجب أن يتجنب الأسبرتام فعلًا؟

رغم أن التقييمات الصحية تطمئن عمومًا إلى سلامة الأسبرتام ضمن الحدود المسموح بها، فإن هناك فئة محددة يجب أن تتجنبه تمامًا لأسباب علمية واضحة لا علاقة لها بمخاوف السرطان.

هذه الفئة هي مرضى بيلة الفينيل كيتون (Phenylketonuria – PKU)، وهي حالة وراثية نادرة تُكتشف غالبًا عند الولادة يعجز فيها الجسم عن تكسير حمض الفينيل ألانين بشكل طبيعي. ومع تراكم هذا الحمض في الجسم قد يصل إلى مستويات ضارة خصوصًا على الدماغ والجهاز العصبي.

ولأن الأسبرتام يحتوي على الفينيل ألانين، فإن الحد اليومي المسموح به لا ينطبق على مرضى PKU إطلاقًا بل يجب عليهم تجنبه تمامًا والالتزام بالإرشادات الطبية والغذائية الخاصة بحالتهم.

ولهذا السبب تحديدًا تُلزم القوانين الشركات بكتابة تحذير واضح على المنتجات المحتوية على الأسبرتام مثل: «يحتوي على الفينيل ألانين».

أما بالنسبة لبقية الناس فلا يمثل هذا المكون مشكلة في المعتاد لأن أجسامهم قادرة على تكسيره والتعامل معه بشكل طبيعي كما تفعل مع الفينيل ألانين الموجود في الأطعمة البروتينية اليومية.

هل الأسبرتام آمن أثناء الحمل ولمرضى السكر؟

بالنسبة للحامل السليمة خلصت الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية إلى عدم وجود خطر على الجنين من الفينيل ألانين الناتج عن الأسبرتام، ما دام الاستهلاك في حدود الكمية اليومية المسموح بها. ويظل الاستثناء الأهم هو النساء المصابات ببيلة الفينيل كيتون (PKU) إذ يجب عليهن تجنب الأسبرتام تمامًا لاحتوائه على الفينيل ألانين.

ومع ذلك تبقى القاعدة الأفضل خلال الحمل هي الاعتدال والتنويع وتجنب الإفراط في المشروبات والمنتجات المحلاة صناعيًا. كما يُنصح دائمًا بمناقشة النظام الغذائي مع الطبيب المتابع خصوصًا في حالات مثل سكر الحمل أو أي ظروف صحية تستدعي متابعة غذائية خاصة.

أما بالنسبة لمرضى السكر، فالأسبرتام لا يرفع سكر الدم بالطريقة التي يفعلها السكر العادي، لذلك قد يلجأ إليه بعض المرضى كبديل يساعدهم على تقليل استهلاك السكر والسعرات الحرارية. لكنه في الوقت نفسه ليس حلًا قائمًا بذاته ولا ينبغي الاعتماد عليه وحده لإدارة الوزن أو تنظيم سكر الدم.

والأهم أن منظمة الصحة العالمية أوصت بعدم الاعتماد على المحليات الصناعية كوسيلة للتحكم في الوزن على المدى الطويل نظرًا لضعف الأدلة على فاعليتها المستدامة في هذا الجانب. لذلك يبقى الخيار الأجدى لمريض السكر هو اتباع نمط غذائي متكامل يقوم على تقليل السكريات عمومًا وزيادة تناول الألياف والخضروات والاهتمام بمصادر البروتين الصحية مع الالتزام بخطة العلاج والمتابعة الطبية.

ما الخطر الذي يستحق الانتباه فعلًا؟

إن التركيز على نوع المحلى وحده قد يصرف الانتباه عن الصورة الأكبر. فالأسبرتام لا يُستهلك غالبًا بمعزل عن غيره بل يوجد عادة في منتجات فائقة المعالجة مثل المشروبات الغازية (الدايت) وبعض الوجبات الجاهزة والحلويات منخفضة السكر. وهذه المنتجات في مجملها قد ترتبط بأنماط غذائية أقل صحة على المدى الطويل، لا بسبب الأسبرتام وحده بل بسبب طبيعة النظام الغذائي ككل.

ومن هنا يصبح من السهل أن يحمل الأسبرتام وحده مسؤولية نمط غذائي كامل، بينما الخطر الحقيقي قد يكون في الإفراط في الاعتماد على المنتجات فائقة المعالجة بدلًا من بناء عادات غذائية متوازنة.

لذلك ما يستحق الاهتمام الأكبر هو:

  • تقليل الأطعمة والمشروبات فائقة المعالجة بوجه عام بدلًا من الاكتفاء باستبدال مُحلٍّ بآخر.
  • بناء نظام غذائي غني بالخضروات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة.
  • ضبط الوزن وممارسة النشاط البدني بانتظام.
  • متابعة عوامل الخطر المعروفة والمثبتة للسرطان مع الطبيب مثل التدخين والسمنة وقلة الحركة.

فالرسالة الأهم ليست الخوف من منتج مُحلى بعينه بل النظر إلى نمط الحياة والغذاء ككل واتخاذ قرارات يومية أكثر توازنًا ووعيًا.

أسئلة شائعة عن الأسبرتام

هل الأسبرتام مضر؟

وفقًا لتقييمات الجهات الصحية الكبرى، لا يُعد الأسبرتام خطرًا مثبتًا على معظم الناس عند استهلاكه ضمن الحدود اليومية المسموح بها. لكن هذا لا يعني الإفراط في استخدامه أو الاعتماد عليه كبديل صحي مطلق بل يظل الاعتدال هو القاعدة الأهم.

ويبقى الاستثناء الواضح هو مرضى بيلة الفينيل كيتون (PKU) إذ يجب عليهم تجنب الأسبرتام تمامًا لاحتوائه على الفينيل ألانين.

هل يرفع الأسبرتام سكر الدم أو الأنسولين؟

لا يرفع الأسبرتام سكر الدم بالطريقة التي يرفعه بها السكر العادي لأنه لا يحتوي على الكربوهيدرات أو السعرات نفسها التي تؤثر مباشرة في مستوى الجلوكوز في الدم.

ومع ذلك فهو ليس بديلًا سحريًا أو حلًا قائمًا بذاته لإدارة السكر أو الوزن. لذلك يبقى الأهم لمريض السكر هو التركيز على النمط الغذائي الكامل وتقليل السكريات عمومًا واختيار أطعمة غنية بالألياف والبروتين مع مناقشة الخيارات المناسبة مع الطبيب أو أخصائي التغذية.

هل تصنيف 2B يعني أن الأسبرتام يسبب السرطان؟

لا. تصنيف الأسبرتام ضمن المجموعة 2B لا يعني أنه يسبب السرطان بشكل مؤكد، بل يعني أن هناك أدلة محدودة تشير إلى احتمال يحتاج إلى مزيد من البحث والدراسة.

ومن المهم فهم أن هذا التصنيف لا يقيس حجم الخطر الفعلي عند الاستهلاك اليومي المعتاد بل يقيس قوة الدليل العلمي على إمكانية ارتباط المادة بالسرطان من حيث المبدأ.

لذلك فوجود الأسبرتام في هذه المجموعة لا يعني أن تناوله ضمن الحدود المسموح بها يسبب السرطان وإنما يعني أن الأدلة المتاحة غير كافية للحسم وتحتاج إلى متابعة علمية أوسع.

 

ماذا تعلمنا في هذا المقال

الأسبرتام ليس «سمًّا» كما يُروج أحيانًا لكنه أيضًا ليس مادة يمكن التعامل معها بلا حدود أو وعي. والخلاصة المتوازنة التي تشير إليها تقييمات الجهات الصحية الكبرى هي أن استهلاكه باعتدال وضمن الحدود اليومية المسموح بها لا يمثل خطرًا مثبتًا على معظم الناس.

ويبقى الاستثناء الأوضح هو مرضى بيلة الفينيل كيتون (PKU) إذ يجب عليهم تجنبه تمامًا لاحتوائه على الفينيل ألانين.

وفي النهاية قد يكون السؤال الأهم ليس: هل هذا المُحلي آمن أم لا؟ بل: كيف يبدو نظامنا الغذائي ككل؟ فالصحة لا تُبنى على تجنب مكون واحد فقط بل على نمط غذائي متوازن وحركة منتظمة ووعي بالعادات اليومية.

وإذا كانت لديك حالة صحية خاصة أو أسئلة مستمرة بشأن استخدام الأسبرتام أو غيره من المحليات، فاستشارة الطبيب أو أخصائي التغذية تبقى دائمًا أكثر موثوقية من أي معلومة متداولة على الإنترنت.


مشاركة
تطوع الان